أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
298
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنها مصدر واقع موقع الحال ، أي : مشتهين ، أو باق على مصدريته ، ناصبة « أَ تَأْتُونَ » ، لأنه بمعنى « أتشتهون » . ويقال : شهى يشهى شهوة ، وشها يشهو شهوة ، قال : 2252 - وأشعث يشهى النّوم قلت له : ارتحل * إذا ما النّجوم أعرضت واسبكرّت « 1 » وقد تقدم ذلك في آل عمران . قوله : « مِنْ دُونِ النِّساءِ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلّق بمحذوف ، لأنه حال من الرجال ، أي : أتأتونهم منفردين عن النساء . والثاني : أنه متعلّق ب « شَهْوَةً » قاله الحوفي ، وليس بظاهر أن تقول : « اشتهيت من كذا » إلّا بمعنى غير لائق هنا . والثالث : أن يكون صفة ل « شَهْوَةً » ، أي : شهوة كائنة من دونهن . قوله : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ بل للإضراب ، والمشهور أنه إضراب انتقال من قصة إلى قصة . فقيل : عن مذكور ، وهو للإخبار بتجاوزهم عن الحد في هذه الفاحشة ، أو عن توبيخهم وتقريرهم ، والإنكار عليهم . وقيل : « بَلْ » للإضراب عن شيء محذوف ، واختلف فيه ، فقال أبو البقاء : « تقديره : ما عدلتم بل أنتم » . وقال الكرماني : « بَلْ » ردّ لجواب ، زعموا أن يكون لهم عذر ، أي : « لا عذر لكم بل » ، وجاء هنا بصفة القوم اسم الفاعل ، وهو « مُسْرِفُونَ » ، لأنه أدل على الثبوت ، ولموافقة رؤوس الآي ، فإنّها أسماء ، وجاء في النمل : تَجْهَلُونَ دلالة على أن جهلهم يتجدد كل وقت ، ولموافقة رؤوس الآي . فإنّها أفعال . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 82 إلى 85 ] وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( 82 ) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ( 83 ) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 84 ) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 85 ) قوله : وَما كانَ جَوابَ . العامة على نصب « جَوابَ » خبرا للكون ، والاسم « أَنْ » وما في حيّزها ، وهو الأفصح ، إذ فيه جعل الأعرف اسما . وقرأ الحسن « جواب » بالرفع ، وهو اسمها ، والخبر « إِلَّا أَنْ قالُوا » ، وقد تقدم ذلك « 2 » . وأتى هنا بقوله : « وَما » ، وفي النمل والعنكبوت « فَما » * ، والفاء هي الأصل في هذا الباب ، لأن المراد أنهم لم يتأخر جوابهم عن نصيحته . وأما الواو فالتعقيب أحد محاملها ، فتعين هنا أنها للتعقيب ، لأمر خارجي ، وهي القرية في السورتين المذكورتين ، لا أنها اقتضت ذلك بوضعها .
--> ( 1 ) البيت للحطيئة انظر ديوانه ( 118 ) ، الطبري ( 12 / 548 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 23 ) .